أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
172
شرح مقامات الحريري
أعدائه مستنصرين ، فإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها ، وجلّلت نارا على أوراقها ، فتيمموا وطيسها وجالدوا رسيسها ، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة ، فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم فتقدموا واحدا بعد واحد ينشدون أراجيز يذكرون فيها وصية العجوز لهم ، حتى قتلوا عن آخرهم ، فبلغها الخبر ، فقالت : الحمد للّه الذي شرّفني بقتلهم ، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة . وكان عمر بن الخطاب يعطيها أرزاق بنيها الأربعة ، وكان لكلّ منهم مائتا درهم ، حتى قبض رضي اللّه تعالى عنه . وقوله : قعيدة رحلي ، أي امرأة بيتي ، وناقة طروقة : بلغت أن يطرقها الفحل . وأنفت . استنكفت وكرهت . * * * قال : فتذمّرت المرأة وتنمّرت ، عن ساعدها وشمّرت ، وقالت له : يا ألأم من مادر ، وأشام من قاشر ، وأجبن من صافر ، وأطيش من طامر ؛ أترميني بشنارك ، وتفري عرضي بشفارك ، وأنت تعلم أنّك أحقر من قلامة ، وأعيب من بغلة أبي دلامة ، وأفضح من حبقة ، في حلقة ، وأحير من بقّة في حقّة . وهبك الحسن في وعظه ولفظه ، والشعبيّ في علمه وحفظه ، والخليل في عروضه ونحوه ، وجريرا في غزله وهجوه ، وقسّا في فصاحته وخطابته ، وعبد الحميد في بلاغته وكتابته ، وأبا عمرو في قراءته وإعرابه ، وابن قريب في روايته عن إعرابه ؛ أتظّنني أرضاك إماما لمحرابي ، وحساما لقرابي ، لا واللّه ولا بوّابا لبابي ، ولا عصا لجرابي . * * * تذمرت : غضبت ، وتذمّر الرجل ، إذا رأى ما يكرهه فغضب وتهدد ، والذّمر : اللوم والحضّ ، وذمر قائد الجيش أصحابه يذمرهم ، إذا لامهم وأسمعهم ما يكرهون ليجدّوا في القتال ، تنمّرت : تغيّرت وتشبّهت بالنمر ، ولا يوجد النّمر إلا مستنكرا غضبان ، ونمر الرجل وتنمر : تنكّر وتغيّر . حسرت عن ساعدها : شمّرت عن ذراعها . أطيش : أخفّ والطيش : خفّة العقل . والطامر : البرغوث ، يقال له طامر بن طامر ، قال الأصمعيّ : كنت بالبادية فرأيت أعرابيا قد بسط كساءه ليفلّيه في الشمس ، فوقفت أنظر إليه ، فجعل يأخذ البراغيث ، ويدع القمل ، فقلت له : لم تأخذ بعضا وتدع بعضا ؟ فقال : أبدأ بالفرسان ثم أعكّر على الرجّالة .